مسيرة مجلس الحكم المنحل والمقاومة العراقية
عندما قامت القوات الأمريكية والبريطانية باحتلال العراق دأبت وسائل الأعلام المغرضة تبحث عن عنوان خبيث لهذا الحدث الكبير فأطلقت علية تسمية.. سقوط بغداد. وللأسف ذهب كثير من الناس يردد هذة التسمية عن قصد أو عن غير قصد، دون الوعي إلى واقع الحال الذي يشير إلى أن الذي سقط هو النظام الظالم وليس بغداد عاصمة الرشيد الشامخة بعروبتها عبر التأريخ. وبعد سقوط ذلك النظام الظالم لم يبقى للعراقيين إلا الترقب والحذر لمعرفة النوايا الحقيقية للمحتلين الذين اغرقوا العراق بشعارات الأحلام الوردية والوعود الذهبية من اجل تحقيق الحرية والديمقراطية، وبعد أن تكشفت النوايا الحقيقية للمحتلين وأزيح الستار عن خارطة العراق الجديد التي رسمت في دهاليز البنتاكون وفق مخططات المخابرات المركزية الأمريكية والتي تمخض عنها في العراق مؤسسات العهد الجديد ورموزها الغريبة عن أطياف القوى السياسية الفاعلة، والمكبلة بقيود العرفان لسلطات الاحتلال التي جاءت بها لتغرف من بحور الأحلام وتنام على زبد الوعود لتكون أداة رخيصة لتنفيذ تلك المخططات الرامية لنهب خيرات العراق ومواردة التي استباحت بشتى السبل وخير مثال على ذلك قانون الاستثمار الذي فصّل لحلب ما ظهر وما بطن من تلك الخيرات, كما عملت تلك الرموز بشكل فعال مع سلطات الاحتلال على حل الجيش وإنهاء مؤسسات الدولة وساهمت في تكريس القيم الطائفية والعرقية لتفتيت البنى التحتية للمجتمع العراقي من اجل مساعدة المحتل على أحكام السيطرة الكاملة على العراق. ولم يبقى أمام القوى الوطنية إلا التصدي لهذة المخططات وحماية البلد وممتلكاتة، واعتمدت في البداية على استخدام الوسائل السلمية باللجوء إلى الصحافة ووسائل الأعلام المختلفة وتقديم الطلبات ومذكرات الاحتجاج والمظاهرات للحفاظ على مطالب الشعب العادلة، فلم تجد تلك الدعوات آذان صاغية وقد تم تجاهلها بل ومجابهتها بالتنكيل والاعتقال ومداهمة البيوت وقتل الأبرياء وإطلاق النار العشوائي على المواطنين واستفزاز مشاعرهم الدينية والأخلاقية. ثم ازداد الغلو في قهر الشعب العراقي وانتشار عمليات السمسرة وإبرام آلاف العقود السرية والعلنية مع الشركات الأجنبية لنهب العراق وتطويقة بعدد من الاتفاقيات، فضلا عن ترتيب البيت السياسي بشكل يضمن بقاء الاحتلال من اجل استمرار الهيمنة على مقدرات الشعب والوطن، ونتيجة لذلك لم يعد لدى الشعب العراقي من خيار إلا المقاومة كحق مشروع لطرد الغزاة المحتلين بكل الوسائل. وبهذة المناسبة لا بد من توصيف هوية المقاومة وفعلها كي لايسيئ الفهم بخلط الاوراق واعتبار من يقوم بقتل المدنيين والتفجيرات العشوائية والسيارات المفخخة عمل من اعمال المقاومة ان المقاومة حق مشروع ولكن ليس بالضرورة ان تكون المقاومة مسلحة وهناك وسائل متعددة للمقاومة ومنها المسلحة شرط ان لا تستهدف المدنيين والمنشأة المدنية، ولكن لا يستبعد ان تقوم جهات معينة غير مجهولة الهوية قد جاءت مع الاحتلال باعمال تخريبية بعيدة كل البعد عن المقاومة وتنسب الى المقاومة مثلما قاموا باحراق الوزارات ونهب المتاحف ومحاولات اشعال الفتنة الطائفية وغيرها.
النشأه والولادة
ولدت المقاومة العراقية من رحم الغالبية العظمى من مكونات الشعب العراقي كمؤسسة لها قيادة ومفاوضين ومشروع سياسي يعبر عن رفض الاحتلال والدفاع عن المصالح العليا للوطن. وفي المقابل ولد مجلس الحكم من رحم سلطة الاحتلال كمؤسسة لها مشروع سياسي مرهون بوجود الاحتلال ومتوافق معة ومن اغلب مكونات العراقيين المقيمين في الخارج الذين يحملون جنسيات مزدوجة، هدفهم التكالب على السلطة ولم يتحملوا الصبر على نعيمها حتى باتوا يتوارثون قيادتها كل شهر وهم أحياء وبدون حياء.
المقارنـة الفعلية
إذا أردنا المقارنة بين ما تحقق على يد كل من هاتين المؤسستين إن صح التعبير، نجد إن الأولى قد عملت على التصدي لمخططات تقسيم العراق من خلال إفشال محاولات زرع الفتن الطائفية والعرقية وتوحيد صفوف الشعب العراقي، بينما عملت الثانية على تفريق صفوف الشعب العراقي من خلال تركيبة المجلس المعين وفق المعايير الطائفية والعرقية والتي تجسدت بشكل فاضح ومخجل من خلال إعلان وزير الداخلية العراقي استقالتة بناء على طلب من الحاكم المدني الأمريكي وفق تلك المعايير. كما عملت المقاومة على كشف المخططات الرامية لإبعاد العراق عن محيطة العربي وفضــح المحاولات الرامية لخلق ألازمات مع الدول العربية المجاورة. بينما يقوم البعض من أعضاء مجلس الحكم اتهام تلك الدول بفتح حدودها لدخول من يسمونهم بالإرهابيين إلى العراق. بالإضافة إلى دور البعض الأخر من توجية مثل هذة الاتهامات المبطنة لسوريا وبإيعاز من الولايات المتحدة تمهيدا لاتخاذ موقفا منها وما قانون معاقبة سوريا ليس إلا شاهدا على ذلك، بالرغم من إن جميع أعضاء المجلس يعلمون جيدا من هم الذين شَرعوا الحدود وسرحوا الجنود وفتحوا الأبواب لدخول اليهود والموساد لزرع الفتن وانعدام الأمن في البلاد! . بينما اتخذ مجلس الحكم موقفا صارما من مقترح مشاركة قوات عربية وإسلامية لحفظ الأمن في العراق وذلك من اجل أن لا يقع المجلس في حرج مع القوات التي ترفض قتال العراقيين نيابة عن المحتلين مثلما حصل مع جنود الكتيبة 36. في الوقت الذي لم يكن للمجلس رأي في انتشار القوات الأجنبية في العراق بل ليس لدية معلومات عن كيفية استقدام تلك القوات القادمة من ايطاليا ورومانيا وأوكرانيا وأسبانيا وايطاليا واستراليا وكوريا والفلبين واليابان والمريخ، وتقوم بقتل شعب العراق، ويسمونها قوات أعمار العراق.. كل هذا، ويقولون نحن لا نتخلى عن إخواننا العرب، بل ويمجدون بعضوية العراق في الجامعة العربية، ومن بركاتهم أيضا إصدار قانون إدارة الدولة، الذي لم يبقي إلا أن يذكر فية إن الأقلية العربية في العراق هم جزء من الأمة العربية، إن شر البلية ما يضحك.
وأخيرا وليس بآخر يتحتم على المجلس أن يعترف بأنة لو لم يكن بسبب تأثير فعل المقاومة، لما فكرت سلطات الاحتلال في عملية نقل السلطة للعراقيين، ولو لم يكن بسبب تأثير فعل المقاومة لما أعلنت أسبانيا والهنداروس عن سحب قواتهما من العراق، وقيام السيد ديك تشيني بجولة مكوكية حول العالم لينقذ ما تبقي من الائتلاف المزعوم ويرد ماء الوجة!. بل من الذي حمل قادة اكبر جيش في العالم على التوسط من اجل التفاوض مع أهالي مدينة لا يزيد عدد سكانها على عدد موظفي الكونغرس الأمريكي، أليس من السخرية أن يعلن البيت الأبيض عن اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي برئاسة الرئيس الأمريكي لمناقشة الحرب العالمية الثالثة مع جمهوريات اتحاد.. الفلوجة ولم يبقى إلا اعتبار يوم دخولها من قبل القوات الأمريكية عيد وطني للولايات المتحدة. أما ما يؤخذ على المقاومة العراقية بأن ليس لها مشروع سياسي معلن وقيادة موحدة، ويتهمها البعض بفسح المجال لقوى خارجية تقوم بتصفية حسابات على ارض العراق.
الاستنتاجات العملية
إن الاستنتاجات المستنبطة من الوقائع التي تمخضت عن الاحتلال متناغمة مع أكذوبة تحرير العراق ونشر الحرية والديمقراطية فية لم تعد تنطلي على احد وبات يسخر منها الجميع !! ، وان الرصاص الأمريكي لم يعد يفرق بين سني وشيعي وما أحداث الفلوجة والنجف ليست إلا دليل أثبات على زيف ادعاآت سلطات الاحتلال والموالين لهم وزيف الاتهامات الكاذبة بحق المقاومة الوطنية, لان لكل فعل رد فعل، وأينما وجد الاحتلال وجدت المقاومة.
هل بقي من احد لا يريد أن يصدق أو يعترف بحقيقة وجود المقاومة التي فرضت نفسها على ارض الواقع، وهل بقي من خجل عندما يحاول كل فصيل نفي دور المقاومة ويقوم بالبحث عن وهم مجهول يوجة إلية اتهاماتة حسب طريقة المثل العراقي المعروف حب واحجي واكرة واحجي، فنرى سلطات الاحتلال تقوم بتوجية التهم إلى ألزرقاوي لتصفية حسابات مع القاعدة، والمتعاونين مع الاحتلال يوجهون التهم إلى أعوان صدام لتصفية حسابات مع صدام حسين، بالرغم من إن المقاومة الوطنية العراقية أشارت في أكثر من مناسبة بأنها ليس لها علاقة بالطرفين بينما مليشيات البعض من رجال مجلس الحكم القادمين من بلاد الحضارات دعاة الحرية والديمقراطية تشارك مع قوات الاحتلال في إقامة المجازر الجماعية بحق الشعب العراقي، والبعض الأخر كان في حالة غيبوبة عن تلك المجازركانها حصلت في كوكب أخر، وفور سماعهم خبر تشكيل وحدة من الجيش العراقي الباسل فرضت نفسها على ارض الواقع لإيقاف مجزرة مدينة الفلوجة، أصيبوا بالفزع وعلت أصواتهم في الفضائيات بالاعتراض على ذلك التشكيل، هل يريدون استمرار ذبح أبناء العراق؟. أم ينقصهم شرف ما قام بة أهالي تلك المدينة من بطولات أذهلت العدو قبل الصديق؟ ، أليس من ألأولى الاعتراض على سلطات الاحتلال التي قامت بتجاهلهم وتهميش دورهم بعد أن تأكدت من إن هذة الزمرة أصبحت منبوذة من القوى السياسية الفاعلة في العراق بالرغم من التملق وخلق الأعذار والمبررات لجرائم قوات الاحتلال!! ولم يبقى لهؤلاء من بأس سوى الدفاع عن مصالحهم الشخصية وبان ذلك واضحا للعيان عندما اهتزت عروشهم بسبب إعلان لجنة الأمم المتحدة عن تصوراتها بشأن الحكومة القادمة في العراق بالشكل الذي لا ينسجم وطموحاتهم الشخصية سرعان ما هرعوا إلى تنصيب أنفسهم أوصياء على لعبة اختيار تلك الحكومة استنادا إلى قانون إشعال الفتنة المسمى بقانون إدارة الدولة والمعد من قبل الفئة المهيمنة على المجلس والذي فصّل بالشكل الذي يضمن بقائهم في السلطة لأنهم غير قادرين على اجتياز أي انتخابات حرة في العراق، ولم يبقى لهم في النهاية إلا التكالب على عرض واستعراض خدماتهم الجليلة للأمريكان لكي يحجز كل واحد منهم على مقعد في تلك الحكومة.. إذا كان مجلس الحكم قد ولد من رحم سلطة الاحتلال وكل الأعراف الدولية تؤكد عدم شرعيتة، فكيف سيكون مصير الحكومة المنبثقة عنة؟.
الخاتمـــــــــة
وأخيرا بعد أن حان موعد إزاحة الستار عن مسرحية تسليم السلطة للعراقيين لم يعد لأمريكا من خيار إلا اتخاذ احد أمرين، أما أن تقوم بالاعتماد الكلي على من جاءت بهم وتستخدمهم على المكشوف في تنفيذ مخططاتها وتدخل في مجابهة حقيقية مع الشعب العراقي، وإما أن تتخلا عنهم وتعتمد على مساعدة الأمم المتحدة بشكل جدي لإخراجها من المستنقع الذي هي فية.ألا أن أمريكا لا تعرف غير أسلوب المخادعة والكذب والاعتماد على قوتها العسكرية وعملائها المأجورين كأسلوب للتفاهم. فإذا كانت لا تريد تكرار مأساة فيتنام عليها أن تضع في حساباتها خيارات الشعب العراقي وتحترم أرادتة خصوصا بعدما اثبت هذا الشعب إن وحدته نابعة من حليب الأرض التي ارضعتة وحياتة مرهونة بالقبضة الواحدة التي تحمية. كما اثبت للعالم اجمع إن شعلة حضارة وادي الرافدين لن يطفئها لصوص جاءوا من الخارج، وان عروبة العراق لن تمحيها خطوط صفراء على خركة بيضاء يسمونها علم العراق. فإذا كانت الفلوجة والنجف خيار صعب في المعادلة السياسية فكيف سيكون الحال لو اشتعلت في كل مدن العراق.
طــلال بركـــــات - دبلـومـاسي عراقـي