في مدينة بغداد صيف
1943 أنهى بدر دراسته الثانوية، وقـبل في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية
التربية) وكان في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام
ويتخرج
السياب ويعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية في مدينة الرمادي التي
تبعد عن بغداد تسعين كيلومترا غربا، تقع على نهر الفرات. وظل يرسل منها
قصائده إلى الصحف البغدادية تباعا، وفى يناير 1949
ألقي عليه
القـبض في جـيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد واستغني عن خدماته
في وزارة المعارف رسميا فى25 يناير 1949 وافرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع
ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته يرجو شيئا من الراحة
بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن
ويضطرب الوضع
السياسي في بغداد عام 1952 ويخشى بدر أن تطاله حملة الاعتقالات فيهرب متخفيا
إلى إيران ومنها إلى الكويت بجواز سفر إيراني مزور باسم (على آرتنك) على ظهر
سفينة شراعية انطلقت من عبادان في يناير 1953، كتب عنها فيما بعد قصيدة اسمها
فرار 1953 وهناك وجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت حيث عاش حياة
اللاجئ الذي يحن بلا انقطاع إلى أهله ووطنه، وهناك كـتب أروع قصائده غريب على
الخليج يقول فيها
وتأتى صبيحة 14 يوليو 1958 لتعلن عن نهاية الحكم الملكي على يد الجيش وتنسحب
الجمهورية الوليدة من حلف بغداد تركيا، إيران، باكستان، العراق وتخرج من كتلة
الإسترليني وتعلن قانون الإصلاح الزراعي وتطلق سـراح السجناء السياسيين، ويحس
بدر أن ما تمناه طويلا قد تحقق، غير أن آمال بدر قد تهاوت اثر الانقسامات
والاحترابات التي عصفت بالمجتمع آنذاك
وفى السابع
من أبريل 1959 فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات بأمر وزاري لتبدأ من
جديد رحلة التشرد والفقر، كان نتاجها عدد من القصائد مثل العودة لجيكور و
رؤيا في عام 1956 و المبغى
وعاد إلى
بغداد بعد أن ألغي فصله وعين في مصلحة الموانئ العراقية لينتقل إلى البصرة
ويقطن في دار تابعة للمصلحة في الوقت نفسه بدأت صحته تتأثر من ضغط العمل
المضني والتوتر النفسي، غير انه اعتقل ثانية في 4 فبراير 1961 ليطلق سراحه في
20 من الشهر نفسه، و أعيد تعيينه في المصلحة نفسها، غير أن صحته استمرت
بالتدهور فقد بدا يجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وامتد الألم في القسم
الأسفل من ظهره
واذا به في 9 شباط 1964 في حالة صحية حرجة استدعت إدخاله إلى مستشفي الموانئ
في البصرة، وهو يعاني ارتفاع حرارته إلى أربعين درجة مئوية، بالإضافة إلى عسر
في التنفس مع ازرقاق الشفتين وسعال شديدوكانت ترتيبات خاصة أخرى قد اتخذت قبل
ذلك لمعالجة بدر في الكويت وذلك أن الشاعر الكويتي علي السبتي كان قد نشر
نداء موجها لوزير الصحة الكويتي عبداللطيف محمد الثنيان يناشده فيه معالجة
بدر في الكويت على حساب الحكومة الكويتية فرحب وزير الصحة بذلك وكان معجبا
بشعر بدر فاتخذت الترتيبات لأن يجئ بدر إلى الكويت بالطائرة ليعالج في
المستشفى الأميري
وبدأت تنتابه،
بالإضافة إلى ذلك، حالات إغماء وفقدان الوعي كانت تدوم ساعات فإذا صحا كان
كامل الوعي متمالكا لقواه العقلية لا ينقصه شيء سوى قواه الجسدية. و أخيرا،
وفي يوم الخميس الموافق للرابع و العشرين كمن كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة
وفاضت روحه في الساعة الثالثة بعد الظهر
فأبرق علي
السبتي ينعي بدرا لأهلهن وأخبرهم أنه سيصطحب جثمانه إلى البصرة يوم الجمعة في
25 كانون الأول 1964
وكان اليوم
يوما ماطرا لم تر المنطقة مثله مدة سنين عديدة. ورافق المطر السيارة التي
حملت جثمان بدر من الكويت الى أن وصلت البصرة، في ذلك اليوم الذي كان العالم
يحتفل فيه بعيد الميلاد. واستقبلها في البصرة مزيد من المطر
و أخذ جثمان
بدر بالسيارة إلى داره في شارع أجنادين بالمعقل. لكن الدار كانت خالية، إذا
أن عائلته كانت قد خرجت منها بأمر حكومي في ذلك اليوم نفسه. فأخذ جثمان بدر
بالسيارة إلى دار فؤاد طه العبدالجليل في محلة الأصمعي، ولكن لم يكن في البيت
أحد، وقيل لعلي السبتي أن الجميع ذهبوا إلى المسجد لاستقبال الجثمان وحضور
الجنازة
وسيق الجثمان
إلى المسجد حيث اجتمع قلة من الأهل و الأصحاب. وبعد صلاة الجنازة أخذ جثمان
بدر إلى الزبير يرافقه بضعة رجال فقط، فووري التراب في مقبرة الحسن البصري
غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم
وكان المطر لا يزال ينهمر، ولكن لم يكن يرى في المنطقة نخيل